محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

63

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ومن مواطن حسن الظن باللّه تعالى التي لا ينبغي للعبد أن يفارقه فيها : أوقات الشدائد والمحن ، وحلول المصائب في الأهل والمال والبدن ، لئلا يقع بسبب عدم ذلك في الجزع والسخط ، وسيأتي هذا المعنى في كلام المؤلف ، رحمه اللّه ، وهو قوله : « من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره » . ومن أعظم مواطن حسن الظن باللّه تعالى حالة الموت ، وقد جاء في الخبر : « لا يموتن أحدكم إلّا وهو يحسن الظنّ باللّه تعالى » « 1 » وفي حديث جابر « من استطاع منكم أن لا يموت إلّا وهو يحسن الظنّ باللّه تعالى فليفعل ، ثم تلا هذه الآية : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ [ فصلت : 23 ] ولأنه تعالى قال فيما روى عنه : ( أنا عن ظنّ عبدي بي ، فليظنّ بي ما شاء ) « 2 » قال أبو طالب المكيّ رضي اللّه عنه : « وكان ابن مسعود يحلف باللّه ما أحسن عبد ظنه باللّه تعالى إلّا أعطاه اللّه عزّ وجل ذلك ؛ لأن الخير كله بيده ، فإذا أعطاه حسن الظن به فقد أعطاه ما يظنه ؛ لأن الذي حسّن ظنّه به هو الذي أراد أن يحققه له » انتهى . وقد روى عن أبي النضر بن حيان قال : « خرجت عائدا ليزيد بن الأسود فلقيت « واثلة بن الأسقع » « 3 » وهو يريد عيادته ، فدخلنا عليه وهو في فراشه ، فلما رأى واثلة بسط يده وطفق يشير إليه ، فأقبل واثلة حتى جلس على الفراش ، وأخذ يزيد بن الأسود بكفيّ واثلة حتى جعلهما على وجهه ، فقال له واثلة : أسألك عن شيء تخبرينه ؟ قال : لا تسألني عن شيء أعلمه إلّا أخبرتك به ، قال له واثلة : كيف ظنك باللّه عزّ وجل ؟ قال : ظني واللّه باللّه حسن . قال : فأبشر ؛ فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « قال اللّه تبارك وتعالى ( أنا عند ظن عبدي بي إن ظنّ بي خيرا وإن ظن بي شرا ) » « 4 » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم بن الحجاج في ( صحيح مسلم 2205 ، 2206 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 1 / 325 ، 330 ، 3 / 293 ) ، وابن كثير في ( البداية والنهاية 5 / 238 ، 334 ، 390 ) ، وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن 1 ، 3 ، 4 ) . ( 2 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 169 ، 221 ، 10 / 277 ) ، وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 22 ) . ( 3 ) واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل الليثي الكناني ( 22 ق ه - 83 ه - 601 - 702 م ) صحابي من أهل الصفّة ، كان قبل إسلامه ينزل ناحية المدينة ودخل المسجد والنبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي الصبح فرآه وسأله حاجته فقال له : أريد أن أبايع وحصل ذلك فشهد مع النبي صلى اللّه عليه وسلم غزوة تبوك ، وقيل : خدم النبي صلى اللّه عليه وسلم ثلاث سنين . وشهد فتح دمشق ثم تحول إلى بيت المقدس فأقام ، وكف بصره وعاش ( 105 ) سنين وقيل : 98 وهو آخر الصحابة موتا في دمشق له ( 76 ) حديثا ، ووفاته بالقدس أو بدمشق . ( الأعلام 8 / 107 ، وأسد الغابة 5 / 77 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 315 ، 4 / 106 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 393 ، 477 ، 4 / 269 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 5 - 6 ، 7 ، 40 ، -